السخره واستعباد شعب مصر

 


فى بداية عهده، كان الخديوى اسماعيل متحيزا للفرنسيين على حساب بريطانيا، فكان معجبا ومقربا للغاية من نابليون الثالث ملك فرنسا وكانت الاستدانة المصرية فى تلك الفترة من الطرف الفرنسى بالأساس، إلا أن هزيمة نابليون الثالث على يد الألمان فى بداية سبعينيات القرن التاسع عشر، مهدت الطريق لبريطانيا كى تبسط نفوذها وتسيطر على مصر كلية طوال فترة السبعينيات من هذا القرن. فمنذ افتتاح قناة السويس فى 1869، وقد أصبح النفوذ البريطانى مهيمنًا على القطر المصرى، وقد انتهزت الديون الثقيلة التى ورط فيها الخديوى اسماعيل نفسه وخاصة بعد الحفل الكبير الذى أقامه الخديوى بمناسبة افتتاح القناة لتجبر مصر على بيع أسهمها فى القناة لبريطانيا، ثم لاحقا إجبار الخديوى على تعيين بريطانى على رأس السودان واستدعاء الشركات الإنجليزية للسيطرة على الأنشطة الاقتصادية فيها، ثم لاحقا الضغط على مصر لسداد ديونها ومن ثم وأمام عجز الخديوى على الوفاء بتعهداته بتسديد الدين، فقد تم إنشاء صندوق الدين الذى سيطر على الاقتصاد المصرى وأجبر الخديوى فى النهاية على التنازل عن العرش وذلك بتنسيق ثلاثى بريطاني ــ فرنسي ــ عثماني!

***
وهنا من الضرورى التوقف قليلا أمام مشروع قناة السويس كنموذج للطريقة الماكرة التى مكنت البريطانيين والفرنسيين من الهيمنة على الشأن المصري! كانت بداية مشروع قناة السويس وعقد الامتياز الموقع بين مصر وفرنسا وبريطانيا فى عهد سعيد باشا. وكان الأخير قد أهدر بالفعل الكثير من الحقوق المصرية فى ذلك المشروع، وكانت مظاهر هذا الإهدار أربعة:

مظهر الإهدار الأول تمثل فى تعهد الحكومة المصرية بتوفير العمال اللازمين للحفر وقد قدر هذا العدد بحوالى 20 ألفا مع إلزام الحكومة المصرية بدفع تعويضات للشركة إذا ما عجزت عن توفير هذه العمالة وهو ما عطل الزراعة والصناعة بل وأثر فى الكثير فى الأحيان على عدد جنود الجيش المصرى.

أما المظهر الثانى فقد تمثل فى تمليك الشركة ترعة المياه العذبة التى كُلفت بحفرها بالإضافة إلى حقها فى تملك كل الأراضى المستصلحة والمستزرعة على جانبى الترعة المحفورة!

ثم تمثل المظهر الثالث لإهدار الحقوق المصرية فى إعطاء شركة القناة الحق المطلق فى تملك أى أراض أخرى ترى أن المشروع فى حاجة إليها ونزع ملكيتها وإعفاء الشركة من دفع أموالها لمدة عشر سنوات وهو ما مثل انتهاكا صارخا للسيادة المصرية!

وجاء مظهر الإهدار الرابع والأخير متمثلا فى إعطاء الشركة الحق فى اتباع نظام السخرة للعمالة المصرية وهو ما مثل الانتهاك الصارخ فى حق الشعب المصرى من عمال وفلاحين وجنود حيث انتهى هذا النظام إلى استعباد المصريين بأشكال شتى!

***

فى كتابه «السخرة فى حفر قناة السويس» والذى أعيد نشره عن طريق الهيئة المصرية للكتاب فى 2010 يشرح المرحوم الدكتور عبدالعزيز محمد الشناوى، أستاذ التاريخ بكلية اللغة العربية بالأزهر، تفاصيل عمليات السخرة هذه ويوثقها للتاريخ ببراعة، فعلى عكس كتابه الأشهر «الدولة العثمانية.. دولة مفترى عليها» وهو فى رأيى كتاب مؤدلج منحاز مليء بالمغالطات التاريخية والرؤية المنحازة التى ما كان ينبغى لها أن تصدر عن أستاذ للتاريخ، إلا أنه وفى هذا الكتاب يقدم توثيقا شديد الموضوعية بالأرقام والوثائق لأكبر عملية استعباد تعرَّض لها المصريون فى العهد الحديث!
ومن ملامح هذه السخرة مثلا استعباد الفلاحين المصريين فى عمليات الحفر فى ظروف غير إنسانية حتى تنفذ قوتهم فيتم التخلص منهم بشكل غير آدمى ومن ذلك قول أحد الفرنسيين العاملين فى المشروع عن العمال المصريين «كانت الشركة تستخدم الفلاح حتى يصبح عديم النفع فتلقى به جانبا كما يلقى الإنسان علبة ثقاب فارغة!» (ورد الاقتباس فى ص 151 من كتاب د. الشناوي).

***

كذلك فنتيجة لأعمال السخرة وظروف العمل فى أوضاع شديدة السوء فقد أصيب المصريون بالكثير من الأمراض الصدرية والرمدية وحالات الإسهال الشديد والجفاف، بالإضافة إلى أمراض الكبد وانتشار العديد من الأوبئة ومنها التيفويد والتيفوس (مشهور أيضا باسم حمى السجن) والجدرى، بالإضافة إلى الكوليرا! وقد استمرت هذه الأوبئة فى عهد الخديوى اسماعيل أيضا وحتى افتتاح القناة! ومن الجدير بالذكر، أنه حينما اضطرت شركة القناة إلى استدعاء العمال الأجانب للعمل فى القناة فإنها فرقت فى الظروف المعيشية (التغذية والمسكن والرعاية الصحية)، وكذلك فى الأجور بين العمال المصريين وبين الأجانب، فنتيجة لهذه الأمراض مثلا يرصد الدكتور الشناوى فى كتابه عدد الوفيات بين العمال المصريين والأجانب فى منطقة الشلوفة خلال الشهور الثلاث التى انتشر فيها مرض الدوسنتاريا فى شتاء 1868ــ 1869، حيث بلغت الوفيات بين العمال المصريين 449 حالة من إجمالى 6596 عاملا مصريا بنسبة 7٪ تقريبا، وفى مقابل ذلك بلغت الوفيات بين العمال الأجانب 44 وفاة من إجمالى 6128 عاملا بنسبة تزيد قليلا على نصف فى المائة!

وفى الأجور كذلك كانت التفرقة فادحة، فقد بلغ متوسط أجر العامل المصرى 57 قرشا بافتراض أنه يعمل 30 يوما شهريا وهو أمر لم يكن يحدث فى الكثير من الأحيان، ويتضح مدى الغبن حينما نعلم أن هذا الأجر لم يكن فقط مطلوبا من العامل المصرى أن يوفر طعامه منه بل وكان عليه أيضا تحمل نفقات علاجه من الأمراض وأن يشارك فى تحمل نفقات طعام مندوبى الحكومة المصرية والحرس ودوابهم! وهكذا لم يكن يتبقى لهم أى شيء لإعطائه لذويهم بعد تحمل أيضا مصاريف سفرهم الطويل من منطقة الحفر إلى قراهم ومدنهم! فى نفس الوقت كان يحصل العامل الأجنبى على أضعاف هذا الأجر بالإضافة إلى سكن آدمى ورعاية صحية!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الجمعيات الباطنيه فى عصرنا الحديث

قف ناج اهرام الجلال وناد لامير الشعراء احمد شوقى

الجاسوس على العطفى