محاوره ابن عباس لخوارج النهروان
الجزء الثانى مع الخوارج وقد ذكر صاحب (إبانة المناهج) المحاورة بين ابن عباس والخوارج وأنهم قالوا له في انتقادهم عليا: إنه قاتل ولم يسب ولم يغنم؛ لئن كانوا كفارا لقد حلت لنا أموالهم، ولئن كانوا مؤمنين لقد حرمت علينا دماؤهم، وأنه محا عن اسمه إمارة المؤمنين فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين. فأجابهم ابن عباس على الشبهة الأولى بقوله: "وأما قولكم إنه قاتل ولم يسب ولم يغنم؛ أتسبون أمكم عائشة أم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها؟! فقد كفرتم، وإن زعمتم أنها ليست بأمكم فقد كفرتم وخرجتم من الإسلام. إن الله تعالى يقول: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ[الأحزاب: 6]. فأنتم ترددون بين ضلالين فاختاروا أيهما سلمتم أخرجت من هذه. قالوا: اللهم نعم". إلى آخر ما في تلك المحاورة التي ألزمهم فيها الحجة مما لا نطيل القول بذكره (4) . وذكر الشاطبي أن ابن عباس أتى الحرورية وهم قائلون بعد أن استأذن من علي وطلب إليه أن لا يفوته بالصلاة بل يبرد حتى يأتي القوم، فأتاهم وعليه حلة فقالوا: ما هذه الحلة عليك؟ قال: قلت: ما تعيبون من ذلك؟! فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه أحسن ما يكون من الثياب اليمنية، قال: ثم قرأت هذه الآية قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [ الأعراف:32 ]، فقالوا: ما جاء بك؟ قال: جئتكم من عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس فيكم منهم أحد ومن عند ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعليهم نزل القرآن وهم أعلم بتأويله، جئت لأبلغكم عنهم وأبلغهم عنكم. فقال بعضهم: لا تخاصموا قريشا فإن الله يقول: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ، فقال بعضهم: بلى فلنكلمه: قال: فكلمني منهم رجلان أو ثلاثة (5) . ثم روى الشاطبي المناظرة التي جرت بينهم بما لا يكاد يختلف عن روايات غيره ممن سبق وكلها تظهر إلزام ابن عباس للخوارج بالحجة التي تدمغهم في خروجهم على الإمام علي رضي الله عنه. ولكن الواضح يختلف عند صاحب (كشف الغمة) في إيراده لهذه المناظرة؛ فقد أورد ما ذكره ابن عباس في مجادلته لهم، ولكنه ذكر حججا طويلة للخوارج يقرون بها ابن عباس، وفي كل مرة يقول: اللهم نعم – حاصلها أن التحكيم في قضية الصيد لا يكون إلا لمن لا يستحل قلته، وأما معاوية وعمرو بن العاص فهم يستحلون دماء المسلمين ويستحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله – حسب افترائه -؛ فلا تجوز حكومتهم في هذه المسألة وإن تحكيم علي لأبي موسى وهو الرجل الشاك في قتال الفئة الباغية، وممن كان يخذل عن القتال – أمر لا يجوز الوقوع فيه أيضا . والمناقشة طويلة ومعروفة لا تخرج عما تقدم. إلا أن المؤلف انفرد بذكر أشياء لم يذكرها غيره، وهي أنه كان من ضمن الشروط أن أيما رجل أحدث حدثا من أصحاب علي ودخل في دين معاوية وحكمه؛ فليس لعلي إقامة ذلك الحد عليه لدخوله في دين معاوية وحكمه، وكذلك من أحدث من أصحاب معاوية ودخل في دين علي فليس لمعاوية إقامة ذلك الحد عليه. فهل كان من المعقول أن يتفق علي ومعاوية على تعطيل الحدود فيما بينهما؟! وقد ساق صاحب كشف الغمة ذلك الحوار كله على نحو يدلل فيه على أن معاوية وجيشه هم فئة باغية لا يجوز ترك قتالهم حتى يفيئوا إلى أمر الله، ولكن عليا لم يقف - في نظره – عند هذا الحكم الشرعي فيهم لهذا فهم براء منه. ثم قال المؤلف أخيرا يبين ما انتهت إليه محاورة ابن عباس للخوارج: "وانصرف من عندهم – يعني ابن عباس – وهو مقر لهم ومعترف لهم أنهم قد خصموه ونقضوا عليه ما جاء به مما احتج به عليهم، فقال له علي: ألا تعينني على قتالهم. فقال له: لا والله لا أقاتل قوما خصموني في الدنيا وإنهم يوم القيامة لي أخصم وعلي أقوى إن لم أكن معهم لم أكن عليهم واعتزل عنه ابن عباس رضي الله عنه ثم فارقه". ويذكر أيضا أنه قال لعلي: "فكف عن القوم فإني على ما أفلجوه"
تعليقات
إرسال تعليق